ابن عطية الأندلسي

408

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

« فئة تقاتل » برفع « فئة » على خبر ابتداء ، تقديره إحداهما فئة ، وقرأ مجاهد والحسن والزهري وحميد : « فئة » بالخفض على البدل ، ومنهم من رفع « كافرة » ومنهم من خفضها على العطف ، وقرأ ابن أبي عبلة : « فئة » بالنصب وكذلك « كافرة » قال الزجاج : يتجه ذلك على الحال كأنه قال : التقتا مؤمنة وكافرة ، ويتجه أن يضمر فعل أعني ونحوه و رَأْيَ الْعَيْنِ نصب على المصدر ، و يُؤَيِّدُ معناه يقوي من الأيد وهو القوة . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 14 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قرأ جمهور الناس « زين » على بناء الفعل للمفعول ورفع « حبّ » على أنه مفعول لم يسم فاعله ، وقرأ الضحاك ومجاهد « زين » على بناء الفعل للفاعل ونصب « حبّ » على أنه المفعول ، واختلف الناس من المزين ؟ فقالت فرقة : اللّه زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية : قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ [ آل عمران : 15 ] ، وقالت فرقة : المزين هو الشيطان ، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن ، فإنه قال من زينها ؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وإذا قيل زين اللّه ، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء ، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها . والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر . وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم ، و الشَّهَواتِ ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة ، وقد قال عليه السلام : « حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره » فحسبك أن النار حفت بها ، فمن واقعها خلص إلى النار ، و وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار ، وهو العقدة الكبيرة من المال ، واختلف الناس في تحرير حده كم هو ؟ فروى أبي بن كعب ، عن النبي عليه السلام أنه قال : القنطار ألف ومائتا أوقية ، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد اللّه بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء ، وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية ، وقال ابن عباس والضحاك بن مزاحم والحسن بن أبي الحسن : القنطار ألف ومائتا مثقال ، وروى الحسن ذلك مرفوعا عن النبي عليه السلام ، قال الضحاك وهو من الْفِضَّةِ ألف ومائتا ، وروي عن ابن عباس أنه قال : القنطار من الْفِضَّةِ اثنا عشر ألف درهم ، ومن الذَّهَبِ ألف دينار ، وروي ذلك عن الحسن والضحاك وقال سعيد بن المسيب : القنطار ثمانون ألفا ، وقال قتادة : القنطار مائة رطل من الذَّهَبِ أو ثمانون ألف درهم من الْفِضَّةِ ، وقال السدي : القنطار ثمانية آلاف مثقال وهي مائة رطل ، وقال مجاهد القنطار سبعون ألف دينار ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وقال أبو نضرة : القنطار ملء مسك ثور ذهبا .